الجزء الثاني – العظة (17) من عظات القديس مقاريوس الكبير عن الروح القدس


الحديث الروحي بدون تذوق واختبار:

9- فاذا كان انسان فقير، يرى نفسه غنياً في حلم الليل، وحينما يستقيظ من النوم يجد نفسه فقيراً عرياناً مرة أخرى. كذلك الذين يتحدثون الحديث الروحاني ويظهرون كأنهم يتحدثون بكفاءة تامة، ولكنهم إن لم يكونوا حاصلين على الشيء الذي يتحدثون عنه، متحققاً في قلوبهم بالتذوق والقوة والاختبار الشخصي فانه لا يكون لهم سوى مظهر باطل وخيال وهمي.

أو مثل امرأة مزينة بالحرير ومتحلية بالجواهر وتعرض نفسها في مكان الفساد والعار، هكذا يكون قلب هؤلاء الناس مأوى للأرواح النجسة فانهم يسرعون إلى التكلم والحديث عن البر بينما هم لم يتمتعوا حتى بنظرة لهذه الحقائق.

10- السمكة لا تستطيع أن تعيش خارج الماء، ولا يستطيع أحد أن يمشي بدون قدمين، أو يرى النور بدون عينين أو يتكلم بدون لسان أو يسمع بدون اذنين. هكذا بدون الرب يسوع وعمل قوته الالهية، لا يستطيع أحد أن يعرف أسرار الله وحكمته، أو أن يحصل على الغنى الحقيقي ويصير مسيحياً. فإن الحكماء المحاربون ، الشجعان، فلاسفة الله هم اولئك الذين ينقادون ويتغذون وينضبطون في الإنسان الباطن بالقوة الالهية. إن فلاسفة اليونانيين يتعلمون صناعة الكلام بينما الآخرون هم “عاميون في الكلام” (2كو 11 : 6).

ولكنهم يبتهجون ويفرحون متهللين بنعمة الله لأنهم رجال تقوى فلنحكم ايهما أفضل. فالرسول يقول “ملكوت الله ليس بكلام بل بالفعل والقوة” (1كو 4 : 20).

11- فإنه من السهل جداً على أي انسان أن يقول: “هذا الخبز مصنوع من القمح”. ولكن كان ينبغي أن يخبرنا عن كيفية اعداده وعجنه بالتفصيل. هكذا فان التحدث عن التحرر من الأهواء وعن الكمال هو أمر سهل ولكن خبرة الوصول إلى الكمال ليست أمراً هيناً.

فالانجيل مثلاً يقول في اختصار “لا تغضب، لا تشتهي” وايضاً “من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر ايضاً ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضاً” (مت 5 : 39، 40).

ولكن الرسول اذ يتتبع كيفية تتميم عمل التطهير فانه بصبر ومثابرة قليلاً قليلاً يعلمنا بالتفصيل مغذياً اياناً باللبن كالأطفال ثم يأتي بنا إلى النمو والى النضج الكامل. فالانجيل قال: أن الثوب مصنوع من صوف الحملان (مت 7 : 15)، ولكن الرسول أعلن بالتفصيل كيفية صنعه.

12- هكذا أولئك الذين يتحدثون بالأحاديث الروحية، بدون أن يتذوقوا ما يتحدثون عنه فانهم يشبهون انساناً مسافراً في صحراء مقفرة تحت أشعة الشمس المحرقة، وبسبب عطشه فانه يتخيل صورة ينبوع ماء جار ويرى نفسه وهو يشرب منه، بينما تكون شفتاه ولسانه كلها جافة مشتعلة من شدة العطش الذي يتملكه، أو كمثل انسان يتحدث عن العسل ويقول انه حلو، مع انه لم يذقه قط، ولذلك فانه لا يعرف قوة حلاوته. هكذا هي حالة اولئك الذين يتحدثون عن الكمال والفرح، والتحرر من الأهواء دون أن يكون فيهم العمل الفعال أو المعرفة الشخصية لهذه الأمور، وليست الاشياء كلها كما يصفونها هم. وإذا حسب انسان من هذا النوع، أهلاً لأن يكتشف الحقيقة، فانه يقول في نفسه اني لم أجد الحقيقة كما كنت أظن، فاني كنت اتحدث في اتجاه، والروح يعمل في اتجاه آخر.

13- لأن المسيحية هي في الحقيقة طعام وشراب، فكلما أكل الإنسان منها ازداد قلبه ولعاً بحلاوتها، ولا يتوقف أو يكتفي بل يطلب المزيد ، ويستمر يأكل بلا شبع أو امتلاء. فاذا أعطي شراب حلو لانسان عطشان، فانه بعد أن يتذوقه يزداد ظمئاً اليه، ويشتاق إليه بحرارة أكثر من الأول. والحقيقة أن مذاقة الروح تشبه ذلك، ولكن بغير حدود، حتى انه لا يوجد شيء يمكن أن يمثل به، وهذه ليست مجرد كلمات. فهذا هو فعل الروح القدس وعمله الذي يعمله في الخفاء في القلب.

القداسة هي نقاوة القلب:

أن البعض يتصورون أنهم صاروا قديسين بسبب امتناعهم عن الزواج وعن بعض أمور أخرى منظورة، ولكن الأمر ليس كذلك. فإن الخطية لا تزال تعيش وترفع رأسها في العقل وفي القلب. فان القديس هو ذلك الذي يتنقى ويتقدس في الإنسان الباطن.

وحيثما يرفع الحق رأسه، فهناك يبدأ الشر هجومه محاولاً أن يخفي الحق ويحجبه.

14- وحينما كان اليهود يمتلكون الكهنوت، فان بعضاً من تلك الأمة كانوا يضطهدون ويتألمون بسبب ثباتهم في الحق، مثل اليعازر والمكابيين. والآن بعد الصليب وانشقاق الحجاب، فارقهم الروح، وكشف الحق هنا وهو يعمل هنا (في المؤمنين بالمسيح)، وهكذا فان البعض من هذه الأمة يضطهدون بدورهم. أن الاضطهاد والشدائد وقعت على تلك الأمة، لكي يستطيع محبي الحق أن يشهدوا له لأنه كيف يظهر الحق إن لم يكن له أعداء، الذين هم الكذبة والمقاومون للحق؟

وحتى بين الأخوة، يوجد البعض ممن يحتملون آلام وشدائد كثيرة، ومع ذلك يحتاجون إلى احتراس كثير لكي لا يسقطوا.

فواحد من الأخوة كان مرة في صلاة مع آخر، وأسر من القوة الالهية واختطف ورأى اورشليم العليا ومناظرها المضيئة، والنور اللانهائي ، وسمع صوتاً يقول هذا هو مكان راحة الأبرار، وبعد وقت قصير، انتفخ في نفسه وظن أن الرؤيا التي رآها هي مختصة به وتنسب اليه، وبعد ذلك سقط إلى اعماق الخطية، وآلاف أمور شريرة.

15- فان كان الذي دخل إلى الداخل والمتقدم كثيراً سقط هكذا، فكيف يستطيع الشخص العادي أن يقول “اني بصومي وتغربي، وتوزيع كل أموالي قد صرت قديساً؟”.

إن مجرد الامتناع عن الشرور ليس هو الكمال – بل أن دخلت إلى قلبك الخرب وذبحت الحية القتالة التي تكمن تحت العقل، تحت سطح الأفكار، وتختبئ داخل ما نسميه – مخادع النفس ومخازنها الخفية – فان القلب هوة عميقة – فقط أن كنت تقتل هذه الحية وتخرج خارجاً كل ما كان فيك من النجاسة فحينئذ تتحول إلى النقاوة. فان كل الفلاسفة والناموس والانبياء بل مجيء المخلص كل هذا من اجل الطهارة. فكل الناس يهوداً كانوا أم أمماً يحبون الطهارة، رغم انهم لا يستطيعون أن يكونوا اطهاراً فينبغي أن نستمر في البحث عن الكيفية والوسائل التي نحصل بها على نقاوة القلب.

طريق النقاوة:

وبالتأكيد لا يوجد طريق آخر سوى بواسطة ذلك الذي صلب لأجلنا. فهو الطريق والحياة والحق، والباب والجوهرة، والخبز الحي السماوي. وبدون هذا الحق تستحيل معرفة الحق، أي يستحيل الخلاص.

فكما انه من جهة الأمور المنظورة، قد تخليت عن كل شيء ووزعت أموالك، هكذا أيضاً من جهة الحكمة العالمية، فان كان لك علم وفصاحة كلام، فانك ينبغي أن ترذلها وتعتبرها كلا شيء، حتى تستطيع أن تتهذب وتبنى “بجهالة الكرازة” (1كو 1 : 21)، هذه الكرازة التي هي الحكمة الحقيقية التي لا تعتمد على عظمة وغرور الكلام، بل لها قوة تعمل بفاعلية بواسطة الصليب المقدس. فالمجد للثالوث الواحد في الجوهر إلى الأبد آمين.