العظة (18) من عظات القديس مقاريوس الكبير عن الروح القدس – الجزء الثانى


العظة الثامنة عشر ــ القديس مقاريوس الكبير ( 2 )

أنواع فاعلية النعمة في القلب:

            7- لأن أولئك الذين أعطي لهم أن يصيروا أبناء الله، وأن يولدوا من فوق من الروح، والذين لهم المسيح منيراً في داخلهم، ومنعشاً لهم، هؤلاء يقودهم بطرق متنوعة كثيرة. وتعمل النعمة سراً في قلوبهم وتعطيهم راحة روحية.

         فلنستعمل صور التنعمات والمسرات الملموسة التي في هذا العالم لنوضح بها – إلى حد ما – أعمال النعمة في القلب. ففي بعض الأوقات تعزيهم النعمة وتفرحهم كما في وليمة ملوكية فيفرحون بفرح وسرور لا ينطق به وفي وقت آخر يكونون مثل عروس تتنعم بالشركة مع عريسها في راحة إلهية. وفي وقت آخر يصيرون كملائكة بدون أجساد، لكثرة سموهم وخفتهم وعدم تثقلهم حتى بالجسد. وفي وقت آخر يكونون سكارى إذ يكونون منتعشين وثملين بالروح وبالأسرار الإلهية الروحانية.

            8- وفي وقت آخر يكونون كأنهم في بكاء ونحيب لأجل جنس البشر وإذ يتوسلون لأجل ذرية آدم كلها فإنهم يولولون ويبكون، إذ تشتعل فيهم محبة الروح نحو جنس البشر. وفي وقت آخر يشعلهم الروح بفرح ومحبة كثيرة حتى إنه لو أمكنهم لأدخلوا كل إنسان إلى أحشائهم، بدون تفريق بين الردئ والجيد.

         وأحياناً يصيرون تحت كل الناس في تواضع الروح حتى أنهم يحسبون أنفسهم آخر الكل وأقل الكل.  وأحياناً يجعلهم الروح في فرح لا ينطق به. لدرجة أنهم يرهقون من الفرح. وفي وقت آخر يكونون مثل إنسان جبار قد لبس الدرع الملكي الكامل ونزل إلى المعركة ضد أعدائه، فيحاربهم بقوة ويهزمهم، فإنه مثل هذا الجبار كذلك يأخذ الإنسان الروحاني أسلحة الروح السماوية وينزل لمقاتلة الأعداء فيحاربهم، ويدوسهم تحت قدميه.

            9- وفي وقت آخر تستريح النفس في هدوء عظيم وسكون وسلام، دون أن تشعر بأي شيء آخر سوى اللذة الروحانية والراحة والسعادة التي لا توصف.

            وفي وقت آخر، تعلمها النعمة بنوع لا ينطق به من الفهم والحكمة، ومعرفة الروح الذي يفوق الفحص وتعلمها أشياء لا يمكن النطق بها باللسان والكلام، هكذا فان معاملات النعمة متنوعة جداً في النفوس، وهي تقود النفس التي تنعشها وتحييها، بطرق كثيرة بحسب إرادة الله وتدربها بطرق مختلفة لكي تعيدها إلى الآب السماوي كاملة نقية وبلا عيب.

            10- ولكن أفعال الروح هذه التي تحدثت عنها تختص بالدرجات العظيمة القريبة من الكمال، لأن تنعمات النعمة المختلفة هذه، رغم أنه يعبرعنها بطرق مختلفة ولكنها تفعل بلا إنقطاع في أولئك الأشخاص، فاعلية تليها فاعلية أخرى. لأنه حينما تصل النفس إلى كمال الروح، وتتطهر بالتمام من الشهوة، وتتحد مع الروح المعزي وتختلط به بشركة لا توصف، فإنها تحسب أهلاً أن تصير هي نفسها روحاً، في إختلاطها مع الروح، حينئذ تصير كلها نوراً، وكلها عيناً، وكلها روحاً، وكلها فرحاً، وكلها راحة، وكلها بهجة وكلها محبة، وكلها حنان، وكلها صلاح، وكلها رأفات محبة.

            وكما أن الحجر الذي في قاع البحر تحيط به المياه من كل ناحية، كذلك هؤلاء أيضاً إذ يكونون مغمورين بالروح من كل ناحية فإنهم يصيرون مشابهين للمسيح، حاصلين في أنفسهم على فضائل قوة الروح بلا تغيير لكونهم بلا عيب وأنقياء وبلا لوم من الداخل والخارج.

            11- واذ قد ردهم الروح وأعادهم إلى الله هكذا فكيف يمكنهم أن يخرجوا ثمر الخطية؟ بل في كل الأوقات وفي كل الظروف تشع منهم ثمار الروح ظاهرة فيهم.

لنطلب نعمة الروح بالإيمان والمحبة والرجاء:

            فلنتوسل إذاً إلى الله بإيمان وبالمحبة والرجاء الكثير، لكي يمنحنا النعمة السماوية، نعمة الروح لكي ما يحكمنا ويضبطنا ذلك الروح نفسه أيضاً، ويقودنا إلى كل إرادة الله وينعشنا ويحيينا بكل أنواع إنعاشه وإحيائه لكي بواسطة هذا الحكم وفاعلية النعمة، والنمو الروحاني نتقدم، لنحسب أهلاً لإدراك كمال ملء المسيح كما يقول الرسول “لتمتلئوا بكل ملء المسيح” (أف 3 : 19)  وأيضاً يقول  “إلى أن ننتهي جميعنا إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح”  (أف 4 : 13).

            ولقد وعد الرب كل الذين يؤمنون به ويسألونه بالحق أن يعطيهم أسرار شركة الروح الذي لا ينطق به.

            لذلك فلنكرس نفوسنا بكليتها للرب ونسرع للحصول على الخيرات التي تكلمنا عنها. وإذ نكرس نفوسنا وأجسادنا ونتسمر على صليب المسيح فلنكن لائقين ومستعدين للملكوت السماوي، ممجدين الآب والإبن والروح القدس إلى الأبد آمين.