الكنيســــــــــة 6 – الإستحالة الجـوهرية والرمــز


     لم تتمكن المسيحية الغربية أبدا من أن تُعَبِرْ عن الحياة بلغة متحررة من نظامها الفكرى أو من إحتياجها إلي تعريف الحقائق الموضوعية.

    فلقد رفضت ديناميكية الحياة، وظلت متمسكة بموضوعية المبادئ وجوهر الأشياء. فطالما عرَّفت الوجود من خلال صفات الجوهر.

    لقد ثبت أنه من المستحيل للأناس الغربيين، أن يتفهموا كيف يمكن لجوهرين  أو لطبيعتين مختلفتين ( مخلوق وغير مخلوق ) أن يجمعهم نمط واحد للوجود. لذلك تعذر عليهم حتي أن يروا الإفخارستيا الكنسية علي أنها حدث وجودي، وبالذات كتحول في نمط الوجود، والذي لا يتبعه تحول في الجوهر أو الطبيعة .

    * ولهذا نجد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تتحدث عن “الإستحالة الجوهرية”  للخبز والخمر الخاصين بالإفخارستيا (حيث الجوهر هو طبيعة الشئ أو المادة المكونة له). إذ تقول بتحول القرابين المقدمة ( الخبز والخمر)، وبتغير جوهرهم وتحول طبيعتهم .

    ” إنه بتقديس الخبز والخمر، يتحول جوهر الخبز كله إلي جوهر جسد المسيح ربنا، وجوهر الخمر كله إلي جوهر دمه، بينما يبقي من الظاهر فقط أعراض الخبز والخمر، أو في بعض الأحيان يقال إنه بعد التحول الجوهري للخبز والخمر إلي جوهر جسد ودم المسيح يتحول ظاهرهما إلي الشكل الخارجي إلي الخبز والخمر.”    ( مجمع ترنت ــ الجلسة 13ــ الإفخارستيا 1642م)

    وبالرغم من هذا، فإن هذا التحول الأساسي ليس له علاقة بالناحية الوجودية ــ أى إنتقال البشرية من الموت إلى الحياة ــ فهذا التحول لا يَمس ولا يشرح نمط الحياة، الفاني أو الغير فاني، الفاسد أو عديم الفساد. إنه مجرد تحول ” خارق للطبيعية “  لطبيعة الأشياء وهو يُعرف فكرياً ويصدق عاطفياً. بالضبط كما أن خلاص الفرد المتقدم إلي الإفخارستيا ــ والتي تحول جوهر عناصرها ــ هو ” خارق للطبيعية “.

    بهذه المفاهيم المشوهة فإن الإفخارستيا لا تحول نمط وجود الإنسان، فهى لا تحول وجوده الفردي الي الوجود الكنسي أو الثالوثي.  وبهذا فإن الكنيسة لا تُعّرف من خلال الإفخارستيا والملكوت، بل تتحول الكنيسة ببساطة إلي منظومة عمل مؤسسي فيها يألف الفرد بالإستحالة الجوهرية الخارقة للطبيعة.  لذلك فإن الكاثوليكية الرومانية تقدم وتروج الي نشاط ديني قائم علي الفردية، مثل التمييز بين الكنيسة والعلمانيين، وتعرف نفسها فقط من خلال هيكلها التنظيمي الإداري ( البابا والأساقفة … إلخ). وهذا تضاد جذري مع الحق الرسولي وحقيقة الكنيسة.  

    وكنتيجة طبيعية لهذا حاول الكاثوليك الرومان تجريد القرابين المقدمة في الإفخارستيا من صفاتها المادية (Dematerialize) بقدر ما استطاعوا، وبما أن هذه القرابين ــ بالنسبة لهم ـ هي رمز للتحول الجوهري الذي تم، فأصبح الخبز ــ بحسب إيمانهم ــ في الإفخارستيا ليس هو الخبز العادي الذي يأكله الناس في حياتهم اليومية، بل إستبدلوه بالقربان المقدس وهو منتج غير مختمر وشفاف تقريباً، لان طعم الخبز يمثل تضاد خطير لفكرة الإستحالة الجوهرية، وحرموا العلمانيين من الإشتراك في الكأس.

holy hosts

القربان المقدس في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية

     * أما البروتستانت فقد تخلصوا من فكرة الإستحالة الجوهرية منذ اللحظة الأولي، لكن بنفس المنهج الغربي، فتمحور فهمهم حول الجوهر: بأنه من غير الممكن لطبيعة أو جوهر عناصر الإفخارستيا أن يتغير، فيبقي الخبز في جوهره خبزاً، والخمر خمراً، لكن في نفس الوقت فإنهم يمارسون الشركة في جسد ودم المسيح، لإن الخبز والخمر يقوما بوظيفة المثال أو الرمز أو الصورة أو كوسيط أو كأدوات للشركة والإتصال الروحي بالمسيح .

    هنا يصبح الموضوع لا علاقة له بالمرة بالحدث الوجودي وحقيقة الحياة: فالمسيـح حاضـر في الإفخارستيـا، ليس بجوهر جسده ( والذي يبقي في السماء )، لكن فقط حاضر بقوته المانحة للحياة،  والتي تنتقل حصراً لهؤلاء الذين يتقدمون للإفخارستيا بإيمان. وأما الذين لا يتوفر لهم هذا الإيمان، فيشتركون في خبزٍ وخمرٍ عاديين، وقد يصل الأمر بهم إلي الدينونة.

    إذاً فقد إستبدل البروتستانت الإستحالة الجوهرية الخارقة للطبيعة برحلة فكرية أكثر أماناً في الإختبار الفردي ــ معززين العزلة في الممارسة الدينية القائمة علي الفردية ــ فتصبح حقيقة الكنيسة منتقصة وثانوية، وبما أن الشركة مع المسيح من خلال الإفخارستيا أصبحت حادثة متعلقة فقط بالإستعداد الفكري والإيماني، وغير مرتبطة بالتحول في القرابين، يصبح الوعد الكتابي بالخلاص مستقلاً تماماً عن الوجود الإنسانى، بل ببساطة يتحول إلي أن يندرج تحت التصنيف القانوني الخاص بالتبريـر والذي يُختبره الشخص من خلال الاحاسيس و العواطف و التقدم الأخلاقي و السلوكي كنتيجة عملية.

إن حقيقة الله الثالوث نفسها تبقي كعقيدة منتقصة، وغير متعلقة بحياة ورجاء الإنسان بعد أن تفصل عن الإختبار الإفخارستي لنمط الوجود الكنســي .