العظة (18) من عظات القديس مقاريوس الكبير عن الروح القدس – الجزء الاول


العظة الثامنة عشرــ القديس مقاريوس الكبير

غنى وكنز الروح القدس

  “عن كنز المسيحيين، الذي هو المسيح والروح القدس الذي يدربهم بطرق متنوعة، ليأتي بهم إلى الكمال”.

كنز الروح:

         1- إذا كان إنسان غني في هذا العالم وعنده كنز مخفي فانه من ذلك الكنز والغنى الذي له يمكنه أن يشتري أي شيء يشتهيه. وكل الاشياء النادرة التي يشتهيها – في هذا العالم، فانه بسهولة يجمعها ويكدسها، معتمداً على كنزه لأنه بواسطة هذا الكنز، يسهل عليه إقتناء كل الممتلكات التي يشتهي إمتلاكها. وبنفس الطريقة فان أولئك الذين يطلبون ويسعون إلى الله، وقد وجدوا الكنز السماوي أي حصلوا على كنز الروح، الذي هو الرب نفسه، مضيئاً في قلوبهم، فإنهم يتممون كل بر الفضائل وكل غنى الصلاح الذي أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذي فيهم، وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البر معتمدين على مجموع الغنى الروحي الكثير المتجمع في داخلهم، ويعملون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذي فيهم. يقول الرسول “لنا هذا الكنز في أوان خزفية” (2كو 4 : 7) أي الكنز الذي أعطى لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم، الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء” (1كو 1 : 30).

            2- فالذي وجد وإمتلك في داخله كنز الروح السماوي هذا فإنه يتمم به كل بر الوصية وكل تتميم الفضائل بنقاوة وبلا لوم، بل بسهولة وبدون تغصب. لذلك فلنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الإحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكيما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارة وبلا لوم، ونتمم كل بر الروح بنقاوة وكمال بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح.

            فالذي يكون فقيراً وعرياناً ومحتاجاً ومعدماً في هذا العالم، لا يستطيع أن يقتني شيئاً، لأن فقره يمنعه من ذلك، ولكن الذي يملك الكنز – كما سبق أن قلت – فإنه بسهولة يقتني كل ما تصبو نفسه إليه، بدون جهد أو ألم. هكذا النفس العريانة والمقفرة من شركة الروح، الواقعة تحت فقر الخطية المرعب لا تستطيع – حتى إذا رغبت – أن تثمر أي ثمر من ثمار روح البر بالحق، قبل أن تدخل في شركة الروح.

            3- فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أهلاً أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي. لكي ما يستطيع ـ بدون صعوبة ـ أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم – تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك في أن يعملها مهما غصب نفسه. لأنه إذ يكون فقيراً وعرياناً من شركة الروح، فكيف يمكنه أن يقتني الكنوز السماوية بدون أن يحصل على كنز وغنى الروح؟ أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح، وبالإيمان والثقة، وبصبر كثير، تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة، كما قلت سابقاً، وتعمل كل وصايا الرب، التي أوصى بها الروح، هذه كلها تعملها في نفسها، وبنفسها ، بنقاوة وكمال وبلا لوم.

غنى الروح ومنفعة الآخرين:

            4- ولنستخدم توضيحاً آخر: إنسان غني يريد أن يصنع وليمة فاخرة فإنه يصرف من ثروته والكنز الذي يملكه، ولأنه غني جداً فإنه لا يخاف من عدم كفاية أمواله لتجهيز كل لوازم الوليمة. وهكذا فإنه يكرم الضيوف الذين دعاهم. ببذخ وأبهة، واضعاً أمامهم أنواع كثيرة من المأكولات وبأحدث أنواع التجهيز. وأما الفقير الذي ليس عنده مثل هذا الغنى فانه إذا رغب في عمل وليمة لأصدقاء قليلين فإنه يضطر أن يستعير كل شيء، من الأواني والأطباق والمفارش وكل شيء آخر، وبعد ذلك حينما تنتهي الوليمة ويخرج المدعوين فإنه يعيد كل الاشياء التي إستعارها إلى أصحابها سواء أطباق فضة أو مفارش أو أي أشياء أخرى، وهكذا حينما يرجع كل شيء يظل هو نفسه فقيراً وعرياناً إذ ليس له غنى خاص يعزي به نفسه.

            5- وبنفس الطريقة فان أولئك الذين يكونون أغنياء بالروح القدس الذين عندهم الغنى السماوي حقاً وشركة الروح في داخل نفوسهم، فإنهم حينما يكلمون أحداً بكلمة الحق أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحانية ويريدون أن يعزوا النفوس فإنهم يتكلمون ويخرجون من غناهم ومن كنزهم الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم، ومن هذا الكنز يعزون ويفرحون نفوس الذين يسمعون أحاديثهم، ولا يخافون أن ينضب معينهم، لأنهم يملكون في داخلهم كنز الصلاح السماوي الذي يأخذون منه ليعزوا ويفرحوا ضيوفهم الروحيين.

            أما الفقير الذي لا يملك غنى المسيح وليس عنده الغنى الروحي في داخل نفسه الذي هو ينبوع كل صلاح سواء في الأقوال أو الأعمال أو الأفكار الإلهية والأسرار التي لا ينطق بها. فحتى إذا أراد هذا الفقير أن يتكلم بكلمة الحق ويعزي بعض سامعيه بدون أن ينال في نفسه كلمة الله بالقوة وبالحق. فإنه يكرر من الذاكرة ويقتبس فقط كلمات من أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس أو مما سمعه من الرجال الروحيين فيخبر ويعلم بها الآخرين – وهكذا يظهر كأنه يعزي ويفرح الآخرين، والآخرون يبتهجون بما يخبرهم ولكن بعد أن ينتهي من الكلام تعود كل كلمة إلى مصدرها الأصلي الذي أخذت منه ويبقى هذا الإنسان ويعود كما كان عرياناً وفقيراً لأن ليس له كنز الروح الخاص به ليأخذ منه ويعزي ويفرح الآخرين إذ أنه هو نفسه لم يتعز أولاً ولا إبتهج بالروح.

            6- لهذا السبب ينبغي لنا أولاً أن نطلب من الله بإجتهاد قلب وبإيمان، حتى يهبنا أن نجد في قلوبنا هذا الغنى، أي كنز المسيحي الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته. ولهذا فعندما نجد الرب أولاً في نفوسنا لمنفعتنا أي للخلاص والحياة الأبدية، فحينئذ يمكننا أن ننفع الآخرين أيضاً إذ يصير هذا ممكناً، لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحانية ونكشف أمامهم أسرارالسماء.  لأن هذه هي مسرة صلاح الآب أن يسكن في كل من يؤمن به ويحبه  “من يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي”  ويقول أيضاً  ” إليه نأتي، أنا والآب،  ونصنع عنده منزلاً” (يو 14 : 21، 23).

       هذا ما شاءه إحسان الآب غير المتناهي، وهذا ما سرت به محبة المسيح الفائقة المعرفة، وهذا ما وعد به صلاح الروح الذي لا ينطق به فالمجد للحنان غير المنطوق به الذي للثالوث الأقدس.