«أقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات في المسيح يسوع» (أف 2: 6) ـــ (6)


«أيها الآب أُريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم» (يو 17: 24):

هنا يطلب المسيح من الآب في صلاته الختامية التي نطق بها أمام تلاميذه قبل صلبه ليُقوِّيهم ويُعزِّيهم ويُعلِن لهم شدَّة محبته لهم، ويُعبِّر أمامهم مرة أخرى عن هذه الإرادة المُحبَّبة إليه، والتي سبق أن وعدهم بها بقوله: «أنا أمضي لأُعدَّ لكم مكاناً. وإن مضيتُ وأعددتُ لكم مكاناً، آتي أيضاً وآخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً» (يو 14: 3،2).

كما سبق الرب وألمح لتلاميذه مرة عن المجد المعدِّ لهم، حينما قال له بطرس: «ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك. فماذا يكون لنا؟ فقال لهم يسوع: الحقَّ أقول لكم: إنكم أنتم الذين تبعتموني، في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسييِّ مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسيّاً تَدِينون أسباط إسرائيل الاثني عشر» (مت 19: 28،27).

وقد أعلن الرب عن هذه الإرادة التي كان يُكنُّها في قلبه من جهة أحبائه وخُدَّامه: «إن كان أحد يخدمني فليتبعني، وحيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمي. وإن كان أحدٌ يخدمني يُكرِمه الآب» (يو 12: 26).

كما جاء في سفر الرؤيا: «هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب. هؤلاء اشْتُرُوا من بين الناس باكورة لله وللخروف. وفي أفواههم لم يوجد غِشٌّ، لأنهم بلا عيب قدَّام عرش الله» (رؤ 14: 5،4).

كما وعد الرب كل مَن يغلب قائلاً: «مَن يغلب فسأُعطيه أن يجلس معي في عرشي، كما غلبتُ أنـا أيضاً وجلستُ مع أبي في عرشه» (رؤ 3: 21).

ولكن الرب هنا يسأل الآب بدالة لم يسبق أن استخدمها من قبل في مخاطبة الآب كمَن يطلب حقّاً له عند الآب، حيث يقول: «أيها الآب، أُريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم» (يو 17: 24).

لأن الرب، بعد أن قَبِلَ أن يشرب الكأس التي أعطاه الآب أن يشربها، وقد تنازَل عن إرادته لكي يُكمِّل إرادة الآب، بقوله: «يا أَبَا الآب، كل شيء مستطاعٌ لك، فأَجِزْ عني هذه الكأس. ولكن ليكن لا ما أُريد أنا، بل ما تُريد أنت» (مر 14: 36)؛ فهو بالرغم من أنه «كان في صورة الله، لم يَحْسِب خُلْسةً أن يكون مُعادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شِبه الناس. وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. لذلك رَفَّعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل رُكبة مِمَّن في السماء ومَن على الأرض ومَـن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو ربٌّ لمجد الله الآب» (في 2: 6-11).

فالمجد الذي اكتسبه المسيح بطاعته للآب وقبوله الموت حتى الصليب، يريده المسيح لتلاميذه لكي ينظروه، ويكونون معه حيث يكون هو، لأنَّ «الذي وُضِعَ قليلاً عن الملائكة، يسوع، نراه مُكلَّلاً بالمجد والكرامة، من أجل ألم الموت، لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد» (عب 2: 9).

فالرب يريد لنا أن نكون شركاء مجده الذي حازه بالصليب، فهو: «بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا، جلس في يمين العظمة في الأعالي، صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم» (عب 1: 4،3)، «وأمَّا رأس الكلام فهو أنَّ لنا رئيس كهنة مثل هذا، قد جلس في يمين عرش العظمة في السموات، خادماً للأقداس والمسكن الحقيقي الذي نَصَبَه الربُّ لا إنسانٌ» (عب 8: 2،1).

وفي هذا يقول القديس كيرلس الكبير:

” لقد كرَّس لنا ربنا يسوع المسيح «طريقاً حيّاً حديثاً»… فليس لنفسه قد صعد المسيح ليظهر أمام وجه الله الآب؛ لأنه كان، وهو كائن، وسيكون دائماً في الآب، وهو ماثل أمام عيني أبيه الذي يفرح به في كل حين. وأما الآن فاللوغوس الذي كان منذ القديم مُنزَّهاً عن البشرية، قد صعد الآن كإنسان، ليَظهر بطريقة غير مألوفة وعجيبة. وإذا ما سمع هذه الكلمات المُوجَّهة له بكل كيانه، بما فيه الجسد: «اجلس عن يميني» (مز 109: 1)، يُوصِّل مجد التبنِّي إلى عموم الجنس (البشري)…

لقد ظهر الآن كإنسان أمام الآب لأجلنا، نحن الذين كنَّا مطروحين من أمام وجهه بسبب المعصية الأولى، ليُوقفنا من جديد أمام وجه الآب، وجلس كابن ليجعلنا نحن أيضاً نُدعَى بسببه أبناءً وأولاداً لله. لذلك فالقديس بولس، الذي يؤكِّد أن المسيح هو المتكلِّم فيه، يُعلِّمنا أنَّ ما حدث للرب خاصةً صار مِلْكاً مشتركاً للطبيعة البشرية، فيقول: إنَّ الله «أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويَّات» (أف 2: 6). “