صورة الله في الإنسان ـــ الأب باسيليوس المقارى


يقول الوحي الإلهي في سرده لقصة خلقة الإنسان:
وقال الله: “نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا (كمثالنا)… فخلق الله الإنسان
على صورته، على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم (تك 1: 26 – 27).
من أي شيء تتكون صورة الله؟
يقول تعليم الكنيسة بأن الإنسان خُلق على صورة الله. ولكن ما هو العنصر
في طبيعتنا بالتحديد الذى يعلن هذه الصورة؟ يجيب آباء ومعلمو الكنيسة على
هذا السؤال بطرق متنوعة: فالبعض يرى الصورة الإلهية في العقل، وآخرون يرونها في
الإرادة الحرة للإنسان؛ بينما البعض الآخر يرونها في عدم الموت أى الخلود. فإذا جمعنا
هذه الأفكار معاً فيمكن لنا أن نحصل على مفهوم متكامل عن ماهية الصورة الإلهية
في الإنسان بحسب تعليم آباء الكنيسة.
أولاً صورة الله يمكن أن نراها في النفس وليس الجسد.
فالله بحسب طبيعته هو روح، غير لابس أى نوع من الجسد ولا مشترك في
أى نوع من المادة. لذلك، فصورة الله لا يمكن أن تنعكس على الجسد، لأن
المادى لا يمكنه أن يصوِّر الروحى. بل صورة الله تعود فقط على النفس غير
المادية. وقد اهتم كثير من آباء الكنيسة أن يقدموا هذا التحذير.

وبهذا فالإنسان يحمل صورة الله في الطاقات والقوى السامية في النفس،
وعلى الأخص في خاصية عدم موت النفس، وفي حرية إرادة الإنسان، وفي
العقل، وفي قدرة الإنسان على المحبة الطاهرة بدون انتظار الربح من وراء هذه المحبة.
أ – خلود النفس:
الله الأزلى الأبدى وهب الخلود للنفس الإنسانية. والخلود هو نعمة عدم الموت،
وهو ليس من طبيعة النفس المخلوقة بل هو موهوب لها بمقتضى صلاح الله.
ب – حرية الإرادة:
الله حرٌّ تماماً في كل أفعاله. وقد أعطى حرية الإرادة للإنسان وكذلك
القدرة على أن يفعل ما يشاء – ولكن في حدود معينة.
ج – العقل:
الله هو كلي الحكمة، وقد أعطى الإنسان العقل الذى يمكنه أن لا ينحصر في
الأرضيات، ولا في الأفعال الحيوانية ولا في المظهر الخارجي للأشياء؛ بل أعطاه
القدرة والبصيرة العقلية الروحية أن يتفحص أعماق المظاهر ويستطلع ويغوص
في معانيها الباطنة والخفية. عقل الإنسان قادر أن يرتفع إلى مستوى الأمور غير
المنظورة وأن يجاهد بفكره نحو الله مصدر كل ما هو موجود. عقل الإنسان
يجعل إرادته حرة في وعى وعمق، فهو يستطيع أن يختار ما يؤول إلى كرامته
العليا أكثر مما يُشبع غرائزه الدنيا التى تجرُّه إلى الأرضيات فحسب.
د – المحبة الإلهية:
الله خلق الإنسان بمقتضى صلاحه، ولم ولن يتركه أبداً بدون محبته الإلهية.
والإنسان لكونه نال نفساً بنفخة الله يجاهد نحو عنصره الأوَّلى وهو الله كمن
يتوق إلى ما هو منتسب إليه، تائقاً وعطشاناً للاتحاد معه. وهذا يظهر في وضع
جسمه وقامته القائمة والمنتصبة إلى أعلى، وتطلُّع نظره إلى السماء (من دون كل
الحيوانات). وهكذا فهو بجهاده نحو الله ومحبته له يعبِّر عن صورة الله التى فيه.
وهكذا، باختصار، يمكن للإنسان أن يقول إن كل الطاقات الصالحة
وإمكانيات النفس هي تعبير عن صورة الله في الإنسان وسط العالم والتي تعني
إعلانا مباشراً ومظهراً واستعادةً لحضور الله وسط الخليقة. ولهذا فقد اعتُبر
الإنسان «سيداً » وسط الخليقة، ليس بمعنى أنه هو الذى يحكمها ويضبطها، بل
بمعنى أنه هو الذى يقودها ويوجهها.