الأحد الخامس من الصوم ـــ مريض بيت حسدا ( أحد المخلع )


+ «وكان هناك إنسانٌ به مرضٌ منذ ثمانٍ وثلاثين سنة» (يو 5: 5). هذا الإنسان هو حالة من الحالات المستعصية التي ظلَّت في انتظار الرب كل هذا الزمان. وهو لم يكن مرضاً عادياً، بل إصابة مباشرة للجهاز العصبي مزَّقت أوصال الرجل وأسقطته قعيداً غير قادر على الحركة لأربعة عقود. إنه يُمثِّل إسرائيل الذي ظل تائهاً في البرية ثماني وثلاثين سنة (تث 2: 14)، بل كل البشرية التي ظلَّت قبل مجيء المسيح ثمانية وثلاثين قرناً وقد شلَّتها الخطية، والناموس والأنبياء عاجزون عن إنقاذها حتى جاءها مخلِّص العالم.

+ «هذا رآه يسوع مُضطجعاً، وعَلِمً أن له زماناً كثيراً» (يو 5: 6). ها هي أيام الشقاء تبلغ نهايتها، فقد رآه مُحب البشر الذي جاء هو أيضاً للعيد يكرز ببشارة الملكوت وليجول يصنع خيراً (أع 10: 38). وها هو يقترب من المريض لكي يختم عليه سنوات مرضه. وكما يُلبِّي الرب نداء المحتاج بحسب وعده: «ادْعُني في يوم الضيق، أُنقذك فتُمجِّدني» (مز 50: 15)، «اسألوا تُعْطَوْا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتح لكم» (مت 7: 7)؛ فهو أيضاً يأتي للمحتاج فاقد الهمة الذي لا يطلب أو الذي لا يعرف، ويسعى وراء الخروف الضال. ومكتوب عنه أيضاً قوله: «هأنذا واقفٌ على الباب وأقرع. إنْ سمع أحدٌ صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي» (رؤ 3: 20). فهو الذي اقترب من السامرية كمحتاج وبدأ الحديث معها وجدَّد حياتها، وهو الذي اقترب من المولود أعمى وجعله يُبصر ويؤمن، وهو الذي التقط مشاعر زكَّا ودعا نفسه إلى بيته فصار خلاص للكل، وهو الذي تحنَّن على الأرملة وأقام وحيدها من الموت. «الرب قريب لكل الذين يدعونه» (مز 145: 18)، هو مستعدٌّ أن يجيب قبلما تدعونه (إش 65: 24).

هو ربما يتأنَّى، ولكنه لا يتباطأ عن وعده (من الكاثوليكون: 2بط 3: 1-8). ولكل مَن هو في ضيقة: لا تكتفي أن ترثي لنفسك، وإنما انهض واطلب معونته. كان بولس مع الأسرى في مركب عتيق في رحلته إلى روما لمحاكمته، وهاج البحر وكادت المركب أن تغرق حتى ”انْتُزع أخيراً كل رجاء في نجاتهم“ (أع 27: 20)، ولكنهم لما ألقوا رجاءهم على الرب، يقول سفر أعمال الرسل: «سلَّمنا فصرنا نُحمَل» (من الإبركسيس: أع 26: 19-27: 8). لنتعلَّم أن نُسلِّم أنفسنا إلى يديه مطمئنين كما يُسلِّم الطفل قياده في يد أبيه الذي يثق في محبته وقدرته.

+ «فقال له: أتريد أن تبرأ؟» (يو 5: 6). السؤال مُدهش! فهل هناك احتمال أن تكون الإجابة بالنفي. ربما يكون الردُّ: ”أنا فاقد الأمل“! وربما يكون المريض قد تعوَّد على ما هو فيه ولا يطمح أو يفكِّر في تغييره. فالمرض الطويل قد يُحطِّم نفسية الإنسان ويُميت فيه الإرادة ويقوده إلى سجن اليأس.

ولكن الحياة مع الله لن تكون بغير الإرادة الحُرَّة التي تسمح بالإيمان. فالله لا يُقْسِر أحداً على الإيمان به. الله بالطبع «يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون» (1تي 2: 4). فإنْ أردنا الحياة، فالنتيجة مضمونة. يسوع المسيح هو رجاؤنا (1تي 1: 1)، وحياتنا (كو 3: 4)، وبغيره يُحاصرنا اليأس والموت. فلا نفقد رجاءنا مهما ضاقت بنا السُّبُل، فوعوده صادقة وأمينة.