مع الخلاص فاضت نِعَم التجسُّد


التجسُّد الإلهي، بإعتباره حدثاً كونياً، كانت له أثاره في مجالات كثيرة في حياة البشر، إلى جانب الخلاص. فبإتحاد الله بجسد البشر صاروا «شركاء الطبيعة الإلهية» (2بط 1: 4)، وبهذه الشركة يكتمل خلاص الإنسان. وتأمُّلات الآباء في هذا الصدد أكثر من أن تُحصَر:

فيقول القديس إيرينيئوس: ”إن الله في محبته غير المحدودة صار على ما نحن عليه لكي يجعلنا نحن على ما هو عليه“.  وكتب القديس كليمندس الإسكندري (150-215): ”كلمة الله صار إنساناً حتى يصير الإنسان مؤلَّهاً فيه“ (خطاب إلى الوثنيين). وكما تقول التسبحة: ”أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له“.

 وإذا كان المسيح قد صار شبيهاً بنا، فنحن بخلاصه وتعييننا للتبنِّي فيه (أف 1: 5) صرنا «مشابهين صورة ابنه (ابن الله) ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين» (رو 8: 29): «أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه» (يو 1: 12)، «انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعَى أولاد الله» (1يو 3: 1)، ”لقد صار ابن الله إنساناً كي يصير الإنسان ابن الله“ (القديس إيرينيئوس)، ”ابن الله صار ابن البشر ليصير بنو البشر أبناء الله بالنعمة“ (القديس أثناسيوس).

 بالتجسُّد صار الله في وسطنا: «وحلَّ بيننا ورأينا مجده» (يو 1: 14)، وكل مَن يعتمد بالمسيح وله، يلبس المسيح ويحمل سماته (غل 3: 27)؛ وغاية الجهاد أن يتصوَّر المسيح فينا (غل 4: 19)، والرب قبل أن يأتي دُعِيَ اسمه «عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا» (إش 7: 14؛ مت 1: 23). وهو قد أعطانا أن نتحد به في شركة الجسد والدم: «مَن يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فيَّ وأنا فيه» (يو 6: 56).

وهو، وقد أخذ جسدنا ليكون جسده مُشارِكاً إيَّانا في اللحم والدم (عب 2: 14)، قدَّس جسد الإنسان وأشركه معه في تجلِّي اليوم الأخير بقيامته في مجدٍ وقوة ..(1كو 15: 43): «ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح… أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس… فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله» (1كو 6: 20،19،15).

 وهو، إذ وُجد على أرضنا وسار عليها وأبحر في مياهها وأكل من ثمارها وشرب من مائها، قدَّسها وكل ما فيها، فهي خليقته التي يرعاها منذ كانت، وجرَّدها من كل نجاسة كانت تُنسَب إليها: «ليس ما يدخل الفم يُنجِّس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا يُنجِّس الإنسان» (مت 15: 11؛ مر 7: 15)، «كل الأشياء طاهرة… كل شيء طاهر للطاهرين» (رو 14: 20؛ تي 1: 15).

 وهو قد شاركنا كل شيء (ما عدا الخطية) (عب 4: 15) وتألَّم مجرَّباً، واختبر أوجاع البشر بما فيها الخيانة والظلم والإهانة والعار والعذاب حتى موت الصليب، قادر «أن يُعين المجرَّبين» (عب 2: 8)، صديقاً حنوناً لكل مَن يُعاني وليس له أحد (يو 5: 7).

 وهو، إذ غسَّلنا من خطايانا بدمه (رؤ 1: 5)، يبقى لنا شفيعاً عند الله الآب وكفَّارة لخطايانا وخطايا كل العالم إلى آخر الأيام (عب 7: 25؛ 1يو 2: 2).