معمودية المسيح ومعموديتنا (1) ـــ الأب متى المسكين


إن العلاقة بين معمودية المسيح في نهر الأردن وبين صبغته الخلاصية على الصليب عندما تخضَّب جسده بالدم، هي علاقة عميقة وسريَّة للغاية، فقد اعتمد المسيح في الأردن ليفتتح درب الصليب طريق الخلاص، وأكمل من أجلنا كل بر الناموس، كقوله ليوحنا قبل أن ينـزل إلى الماء، وعِوَضَ كل خاطئ بل عوض البشرية كلها قَبِلَ المعمودية وكأنه يعترف بخطايا جميع الناس. أما معمودية الصليب التي عبَّر عنها بالصبغة المزمع أن يكمِّلها، فقد دان بها الخطية ذاتها بالجسد ومات لأجل الجميع ليحيا الجميع للذي مات لأجلهم وقام (2كو15:5)

«المسيح لم يكن يعمِّد»- هكذا يسجِّل لنا إنجيل القديس يوحنا – «بل تلاميذه» (يو 4: 2)، أما المسيح فقد عمَّد البشرية كلها بصبغة الصليب بالدم مرَّة واحدة لمغفرة الخطايا. وهكذا افتتح لنا سرًّا من أخطر أسرار الحياة، وهو القيمة المذخرة في معمودية الدم (أي الاستشهاد): «بالصبغة التي أصطبغ بها أنا تصطبغان» (مر 10: 39)، فهي ليست بديلاً لمعمودية الماء فحسب، بل هي الأصل الذي تصدر عنه كل مفاعيل معمودية الماء التي نعتمد بها. فنحن في الماء نموت لا بشبه معمودية المسيح بل بشبه موته على الصليب، ونُدفن لا بشبه تغطيسه في ماء الأردن، بل بشبه دفنه في القبر ثلاثة أيام، ونقوم لا بشبه خروجه من الماء بل بشبه قيامته الحقيقية من القبر على يد شهود.

فالمسيح على الصليب اعتمد، أي انصبغ جسده أي طبيعتنا البشرية، للموت. انصبغ بالدم عن «كل بشر»، وهذا ما سبق وأعطى مدلوله ومفهومه التطهيري الطقسي عندما اعتمد في الأردن: «ولما اعتمد جميع الشعب (للتوبة) اعتمد يسوع أيضاً» (لو 3: 21). ولكن إن كان الجميع اعتمدوا من يد يوحنا كعبيد وخطاة أمام الله مقرِّين بخطاياهم، هاربين من غضب الله، فالمسيح اعتمد كابن محبوب لله: «وكان صوت من السماء قائلاً: أنت ابني الحبيب بكَ سُررت» (لو 3: 22). وهكذا بدأ مفهوم تبنِّي الله للبشرية في شخص المسيح مبكِّراً جدًّا في هذا الإعلان العجيب، الأمر الذي أعلنه إنجيل القديس يوحنا بوضوح عند قوله بفم الله الآب: «أما كل الذين قبلوه (اعتمدوا له) فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله … الذين وُلِدُوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله!»(يو12:1).

وهكذا تنكشف لنا أعماق أسرار معموديتنا الآن، إذ نسمع مبكِّراً جدًّا عن الروح القدس كقوَّة مؤثِّرة وفعَّالة وأساسية في العماد من قول يوحنا المعمدان:

+ «الذي أرسلني لأعمِّد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًّا عليه فهذا هو الذي يعمِّد بالروح القدس.» (يو 1: 33)

ولأن المسيح هو الذي سيعمِّد بالروح القدس، فواضح غاية الوضوح أنه سيمنحنا كل نتائج موته عن الخطايا وكل مستحقات أمجاد قيامته سرًّا بالروح القدس، الروح الذي يعمل في الطبيعة البشرية ليخلقها من جديد، بقوَّة تفوق الناموس والوصايا وكل وسائط العهد القديم، الأمر الذي يفوق «كل بر» بالمفهوم القديم. فمعموديتنا الآن للمسيح إنما تتم بالمسيح «هو الذي يعمد»، ليعطينا كل ما له بالروح القدس بعد أن يرفع عنا خطايانا.

+ «نحن الذين اعتمدنا للمسيح قد لبسنا المسيح»(غل 27:3) ليصير المسيح فينا حياتنا.

+ «أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ» (غل 2: 20). هذا هو قمة عطايا الله للإنسان، وإن كانت حياتنا الآن مستترة في المسيح لله لا يحسها إلا روح الإنسان الذي فيه».

وهكذا فإن عماد المسيح بالماء وحلول الروح القدس عليه بعد خروجه من الماء وامتلاءه منه وشهادة الله له بالبنوَّة، هذا يعطي الأساس اللاهوتي لمعنى ومضمون عمادنا للمسيح من الماء والروح على خلفية الصليب المحيي، ويعود بنا إلى العهد القديم محقِّقاً قول إشعياء النبي القائل: «هوذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سُرَّت به نفسي. وضعتُ روحي عليه فيُخرج الحق للأُمم.» (إش 42: 1)

ولهذا نسمع المسيح ينبِّه ذهن تلاميذه إلى الأهمية العُظمى لانطلاقه إلى الآب: «خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزِّي» (يو 16: 7)، لأن المسيح يدرك أن إرساله الروح القدس من عند الآب كفيل أن يكمِّل مسيرة المسيح الخلاصية، ليس للتلاميذ فحسب بل للعالم كله، على أساس استعلان قيمة موت المسيح وقيمة قيامته، ثم مَنْحِهما معاً كفعل واحد في المعمودية، وهذا كفيل أن يخلق الطبيعة البشرية بالروح من جديد. فموت المسيح وقيامته، وإن كانا يعطيان الأساس للمعمودية بحد ذاتهما، إلا أنه لا يمكن أن تُستعلن قوتهما أو أن ينال أحد مفعولهما وأثرهما أو يشترك فيهما إلا بواسطة الروح القدس.

لذلك، فالعماد لموت المسيح وقيامته واشتراك الإنسان فيهما لمغفرة الخطايا وقبول حياة جديدة، ما كان يمكن أن يبدأ، حتى وبعد أن أكمل المسيح موته وقيامته، إلا بمجيء المعزِّي الروح القدس.

                                                                 (1982)