مصدر الصراع بين الجسد والروح ــ الخليقة الجديدة (4) ــ الأب متى المسكين


سبق أن قلنا إن الجسد لا يُحسب – بحد ذاته كلحم وعظام – أنه مصدر الخطية أو الشر فهو خليقة الله، والله منزَّه عن أن يخلق الشر. ولكن طبيعة الخطية التي ورثناها من آدم هي “الحرية الساقطة” من مصدرها الإلهي الذي كان يحفظها ويدبِّرها، وما يتبعها من إرادة ومشيئة مسيبة لا ضابط لها، ثم معرفة مفصولة عن الله منحطَّة. هذه كلها صارت لعبة في يد الشيطان. وبناءًعلى ذلك أصبح لانفع للجسد ولامنفعة فيه طالما هومسيَّر تحت هذه القوى المسيبة.                                             .                                                                                         ومن هنا كان – كما سبق وقلنا – تصميم الله أن يخلقنا من جديد خلقة روحانية بالميلاد من فوق، مفصولة نهائياً عن مصدر الخطية ومفاعيلها وآثارها. لأنه ميلاد من الله من طبيعة جسد القيامة الذي للمسيح الذي أبطل الخطية وألغى الموت عن الإنسان الجديد الذي قام به. لذلك كان قول القديس يوحنا صادقاً ويتحتَّم الالتفات إليه، أنَّ: «المولود من الله لا يخطئ ولا يستطيع أن يخطئ». هذا هو الإنسان الجديد الذي ورثناه من المسيح كآدم الثاني؛ الذي وإن صحَّ أن يُقال إنه أبونا الجديد عِوَض آدم، إلاَّ أنه أعطانا التبنِّي معه وفيه لله الآب، لذلك دُعِيَ أخانا البكر (رو 29:8)، بكر القائمين من بين الأموات (كو 18:1)، مع أننا محسوبون أننا مخلوقون فيه وعلى صورته.

والذي ينبغي أن نقف عنده ونتمسَّك به هنا، أن جسدنا الروحي الجديد لا يخطئ ولا يموت، إذ هو قائم في المسيح يسوع ومتَّحد به:  ” فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ “(غل 20:2)، ” وأما مَنْ التصق بالرب فهو روح واحد “(1كو 17:6)، ” أنتم فيَّ وأنا فيكم “(يو 20:14)، ” مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير “(يو 54:6)، ” مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل مَنْ كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. “(يو 25:11و26)

وواضح أن الصراع بين الجسد العتيق والجسد الجديد الروحاني ليس في طبيعة كل منهما، ولكن في الإرادة والمعرفة. فالجسد العتيق تتحكَّم فيه شهوات التراب (العالم) التي خضع لها آدم أبوه، ودائرة معرفة الجسد العتيق مربوطة في الماديات وحدودها العقل. فكل ما هو غير معقول أو فائق مثل الروحيات، جهالة عنده. وعند العامة يقولون إن الله عُرف بالعقل. هذا غش وكذب، فالله لا يُعرف إلاَّ بالإيمان، والإيمان يكون بالوعي الروحي في الإنسان.

فالصراع، في الواقع، على أشدّه بين العقل في الجسد العتيق، والوعي الروحي المفتوح في الإنسان الجديد المتَّصل بالله، ولا يمكن أن يتقابلا أو يتوافقا إلاَّ تحت سلطان الخضوع لله والتسليم له. لذلك يتحاشى أهل الفطرة والبسطاء الدخول في المعارف الإلهية العالية التي لا يستوعبها إلاَّ الوعي المفتوح على الله، ويكتفون بالخضوع والتسليم بالمسلَّمات دون مناقشة.

ونجد هذه الحقيقة واضحة عند التلاميذ، إذ ظلُّوا غير قادرين على استيعاب حقيقة المسيح والتعرُّف على شخصه إلاَّ بعد أن فتح المسيح ذهنهم (لو 45:24) بنوع من الامتياز الروحي، وذلك بواسطة الروح القدس تمهيداً لقيام الجسد الروحي الجديد بالميلاد الثاني الذي تمَّ جهاراً يوم الخمسين. وهكذا انحصر الصراع بين الجسد العتيق والإنسان الجديد الروحاني، بين الوعي بالحق الإلهي والغش والتزييف الذي يصنعه الجسد العتيق، إذ يصوِّر الشهوات والرذائل على أنها حق وهي كذب وخداع. فأصبحت الحرب الحقيقية بين الروح والحق، وبين الكذب والخداع المادي. فالجسد يصوِّر المجد الدنيوي والعظمة والرئاسات والملذَّات والشهوات والغِنَى والجنس، وكل المناقص من غش وتزوير واختلاس وسرقة وقتل، على أنها في لحظتها أمور ضرورية وهامة ولابد منها؛ وينبري الإنسان الجديد المتَّسم بالبر وقداسة الحق، بإدراكه للحق وباستنارة النعمة، بالحكم عليها جميعاً بالكذب والغش والتفاهة، وينأى عنها ويقاومها ويدفع الثمن.

وأخيراً، يصير للإنسان الذي خضع للجسد العتيق الندامة والحزن، ويرتمي في التراب بانتظار حساب الدينونة؛ في حين أن الإنسان الذي انتصر فيه إنسانه الروحي، وتجلَّى في البر وقداسة الحق المخلوق عليها، يكون له الغلبة والانتصار والفرح الكامل وانتظار المجد العتيد:

+ » لأن كل الذي ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله… فإنْ كنَّا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح. «(رو 14:8و17)

شارك برايك