خلقة الإنسان الجديد الروحاني من فوق ــ الخليقة الجديدة (3) ــــ الأب متى المسكين


وهكذا صار الإنسان مكوَّناً من عنصرين: الإنسان القديم الخاطئ الترابي المحكوم عليه بالموت والقابل للخطية؛ والإنسان الجديد الثاني الروحي من السماء على صورة المسيح ومن طبيعته القائمة من بين الأموات، والذي لا يسود عليه الموت، وهو ليس تحت ناموس الخطية بل تحت ناموس روح الحياة في المسيح، لا تسود عليه الخطية لأنه ليس تحت نيرها، بل هو تحت النعمة وقيادة الروح القدس. بل ويؤكِّد القديس يوحنا أنَّ مَنْ يؤمن بالمسيح ويعتمد له، يولَد من الله ميلاداً جديداً، لا يخطئ، ولا يستطيع أن يخطئ، فهو من طبيعة المسيح وتحت قيادة الروح القدس:

+ ” كل مَنْ هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يُخطئ لأنه مولود من الله. “(1يو 9:3)

+ ” نعلم أن كل مَنْ وُلِدَ من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه (بالنعمة)، والشرير لا يمسُّه. ” (1يو 18:5)

وهنا نشأ التصارع فينا لحساب المسيح والله الآب:

+ ” لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يُقاوِم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون. ” (غل 17:5)

+ ” وإنما أقول: اسلكوا بالروح فلا تكمِّلوا شهوة الجسد. ” (غل 16:5)

+ ” ولكن إذا انقدتم بالروح فلستم تحت الناموس. ” (غل 18:5)

+ ” لأن مَنْ يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً، ومَنْ يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية. ” (غل 8:6)

+ ” إن عشتم حسب الجسد فستموتون، ولكن إن كنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستحيون. لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله. “(رو 13:8و14)

ولكن يعطينا بولس الرسول تأكيداً أن كفة الإنسان هي الأقوى، لأنالإنسان الجديد محكوم بالنعمة ومقيَّد بالروح، ولا يعمل الجسد العتيق في حضرته إلاَّ خلسة:

+ ” فإن الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة. ” (رو 14:6)

وهنا يتضح أن الجسد العتيق لا يزال له الفرص أن يعمل حسب شهوات التراب، ولكن يؤكِّد لنا بولس الرسول أن “الجسد ميت”، أي في حكم الموت مع الخطية التي تعمل:

+ ” وإن كان المسيح فيكم (وهذا بالإيمان وبسر العماد والتناول)، فالجسد ميِّت بسبب الخطية، وأما الروح (الإنسان الجديد) فحياةٌ بسبب البر (الذي ناله بقيامة المسيح من بين الأموات). ” (رو 10:8)

بل ويؤكِّد لنا القديس بولس أيضاً، أن دم المسيح قد طهَّرنا حقاً وبالفعل من أعمال الجسد التي اعتبرها أعمالاً ميتة، وأنهى عليها في الضمير:

+ ” فكم بالحري يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يُطهِّر ضمائركم من أعمال ميِّتة لتخدموا الله الحي! ” (عب 14:9)

ويفوق الكل القديس يوحنا، عندما يُنادي ببوق النعمة لكي نحصل على حقِّنا في استعلان الحياة الأبدية التي صارت لنا، ونتمسَّك بالشركة التي وُهبت لنا باستعلان الحياة الأبدية في الآب وفي المسيح:

+ ” الذي رأيناه وسمعناه نُخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. “(1يو 3:1و4)

وهذا لا ينفي أن تكون لنا خطايا بالجسد، ولكن يؤكِّد لنا القديس يوحنا أن هذه الخطايا تحت شفاعة المسيح وهي مُلغاة بالكفَّارة:

+ ” … ودم يسوع المسيح ابنه يُطهِّرنا من كل خطية. إن قلنا إنه ليس لنا خطية نُضِلُّ أنفسنا وليس الحقُّ فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهِّرنا من كل إثم. ” (1يو 7:1و8و9)

+ ” إن أخطأ أحدٌ فلنا شفيعٌ عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفَّارة لخطايانا. ” (1يو 2:2)

ومن روح القديس يوحنا ومن مضمون تعبيره وكلامه، نفهم أنه من حقِّنا الأول أن نشعر أننا نحيا في الحياة الأبدية التي أُظهِرَت من أجلنا في المسيح يسوع، وأنه بمقتضاها نحن شركاء حتماً مع الآب والمسيح. وهذا هو نصيب الإنسان الجديد الروحاني المخلوق على صورة خالقه في البر وقداسة الحق، هذا حقُّه، هذا عمله، هذا فرحه وإكليله. ولكن هذا لا ينفي أننا نخطئ، ولكن خطيتنا تحت محاصرة النعمة وغفران الدم. على أنه يستحيل أن تقوى خطايا الجسد الميت، التي هي أعماله الميتة، وتنال من نصيبنا في شركتنا مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح، أو تُنقص من فرحنا الكامل قيد أُنملة، أو تستطيع أن تعيد رُعبة الموت لضمائرنا التي طهَّرها دم المسيح بروح أزلي.

 

شارك برايك