في الخلاص ـــ الأب متى المسكين


نحن متمسِّكون ومُمسكون، لا بفكرة ولا بمبدأ، بل بقوة أنشأها المسيح بموته، وقوة أنشأها المسيح بقيامته: الأولى، أعطتنا الفداء الكامل من الخطية والموت؛ والثانية، أعطتنا الحياة الأبدية والارتفاع في طبيعتنا. هذه القوة ليست بعيدة عنَّا، بل هي فينا، لأننا شركاء فيها، لأننا متنا مع المسيح وقمنا معه، لأنه مات بنا وقام بنا. بقوة الموت نزلنا إلى الهاوية، وأكملنا أقصى عقوبة وحُكْم فُرض علينا كخطاة ومتعدِّين؛ وبقوة القيامة صعدنا وارتفعنا من الجحيم والهاوية بل ومن الأرض نفسها إلى مجال الله لنحيا معه في المسيح الذي أقامنا معه ووهبنا كل ما له وما عمله.

فقوة الموت ومعها قوة القيامة، أصبحت فينا، نحسُّها ونمارسها كل يوم، هي ليست حَدَثاً زمنياً، تمَّ مرَّةً وصار فعلاً ماضياً، ولكن الذي مات بنا ومتنا معه، هو ابن الله. فالحَدَث الزمني فيه صار أبدياً مطلقاً. فالموت الذي ماته أنشأ فينا تكميلاً، وبالتالي تحريراً أبدياً من الخطية والموت، فقمنا وقيامتنا أيضاً صارت أبدية. فنحن مائتون وقائمون في المسيح: «من أجلك نُمات كل النهار» (رو 8: 26)، وبالتالي ”من أجلك نقوم كل يوم“.

الحدث الزمني تحوَّل إلى عمل روحي، إلى قوة نعيشها ونحياها. الحدث الزمني تحوَّل إلى فعل روحي، والفعل الروحي قوة فائقة عن الجسد والزمن والمادة. هذا هو السرُّ في تجسُّد المسيح، لكي يُتمِّم بالجسد الفعل الزمني اللازم لخلاصنا وهو الموت. فمات، ولكن موته قد تحوَّل من فعل زمني إلى فعل روحي، إلى قوة دخلت فينا ودخلنا فيها، فصارت لنا وصرنا لها. هكذا صار الموت غفراناً بفعله الروحي، والقيامة حياة بفعلها الروحي.

لذلك نقول إننا خلصنا بكل الأفعال والمقاييس، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وأبدياً. هذا الخلاص نُمارسه ونعيشه ونمسك به ونتمسَّك، وليست قوة في الوجود قادرة أن تخطفه من قلوبنا ومن داخل أرواحنا، لأننا لا نزال عائشين مع المسيح في موته وفي قيامته.

لقد أكملنا موتنا بموته ليصير خارجاً عن الزمن والوجود البشري؛ وأكملنا قيامتنا بقيامته، ففيها نعيش وبها نحيا كل يوم وكل ساعة، لأنها قوة رفعتنا فوق الأرض والزمن. لذلك فلا توجد قوة في الوجود الزمني والمادي بقادرة أن تُوقِف قيامتنا أو تعترضها، لأنها أصبحت فوق الوجود الزمني والمادي. لهذا نادَى القديس بولس عن إحساس اليقين وعن حياة يعيشها في ملء المسيح والله: «أنـه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء، ولا قوات، ولا أمـور حاضرة ولا مُستقبلة، ولا عُلُو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلني عـن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنـا» (رو 8: 39،38).

ولأن قوة موتنا قد صارت فينا عاملة روحياً بصورة دائمة وأبدية، لذلك صرنا بها غالبين كلَّ القوى الشريرة في العالم. لأن قوة موت المسيح التي اشتركنا فيها، أحلَّتنا من كل خطية وكل لوم، لم يَعُد للشيطان أو أية قوة شريرة مدخلاً لها فينا. ولأن قوة قيامتنا قد صارت فينا عاملة روحياً بصورة دائمة وأبدية، لذلك جعلتنا أعظم من منتصرين، لأنها أخرجتنا نهائياً من مجال الصراع مع العدو، إذ وضعتنا في مجال الله في المسيح.

شارك برايك