الساعة التاسعة ليوم الجمعة العظيمة من البصخة المقدسة ـــ دم المسيح وجهادنا اليومي ــ الأب متى المسكين


اليوم رهيب جداً يا أحبائي، لا تستطيع كلمات و لا تعبيرات بشرية أن تقترب مجرد اقتراب من سر الصليب. سر غير مُدرك، سر يتلاقى فيه الموت والحياة. سر يتلاقى فيه الألم الشنيع والضعف مُنتهى الضعف مع القوة مُنتهى القوة، بل مع قوة ليست من هذا الدهر.

من أجل هذا يصبح الكلام عسيراً جداً، إذ لمن صُلب المسيح إلا لنا، ولمن قدَّم المسيح جسده لِتُدقَّ فيه المسامير ويُطعن ويُخضب بالدماء، إلا لكي يغرس هذه المسامير عينها إنما – بلا وجع – في جسد كل واحد منا. لأنه مَنْ مِنَ البشر يستطيع أن يُصلب عن نفسه، غير ممكن، وإلا يُعتبر انتحاراً!! حتى لو صُلب الإنسان عن نفسه؛ أيُدعى ذلك خلاصاً؟! أبداً! ففي البداية والنهاية هي عقوبة، موت، والموت عقاب. فالمستحيل لدى كل إنسان استطاع الله أن يُتمه للإنسان.

اليوم نرى المسيح الصادق الأمين، الذي قال عن نفسه: «أنا هو الراعي الصالح» الذي «يبذل نفسه عن الخراف»، يُتمم ذلك عملياً على الصليب، ويقول: ليس حبٌّ أعظم من هذا أن يضع إنسان نفسه من أجل أحبائه.

حديثنا اليوم عن أوجه الصليب الثلاثة التي تختص بحياتنا.

الوجه الأول للصليب هو الوجه المقابل لله الآب:

هذا الوجه يختص بالله مائة في المائة. هو فعل كفَّاري. فإذا كنا نقول: أنا «مع المسيح صُلبت»، ومع المسيح مُت، ومع المسيح قُمت؛ ولكن لا أحد يجترئ ويقول: أنا مع المسيح سفكتُ دمي. هذا عمل يختص به المسيح وحده، عمل خاص به، لا نستطيع نحن أن نُشارك فيه. إنه عمل إلهي خاص بالعلاقة التي بين الآب والابن التي تجسد ليكملها من أجلنا. نحن عندما نقول أن المسيح سَفك دمه على الصليب، نتذكر على الفور ما كان يتم يوم عيد الكفارة عندما كان يدخل رئيس الكهنة وحده مرة واحدة في السنة إلى قدس الأقداس وينضح بالدم ويُكفِّر عن الشعب. هذا هو تماماً ما فعله المسيح عندما دخل إلى الأقداس بدم نفسه، ونضح على جسده، أي على البشرية كلها، وتراءى أمام الآب والدم عليه، فوجد لنا فداءً أبدياً. واعتُبر هذا ذبيحة كفَّارة عن كل خطية اقتُرفت من آدم إلى آخر الدهور.

الفعل الثاني لسفك الدم والتقدم به للمسيح متصل وتابع بالضرورة لذبيحة الكفارة: هو الفداء. المسيح عندما قدم ذاته كذبيحة كفارة والدم عليه أو على البشرية؛ فإن الآب قبل هذه الذبيحة، هذا هو الفداء، وأصبح الإنسان مفدياً. كانت البشرية كلها أمام الله ميتة، لأن اللعنة جازت من آدم لكل نسله. المسيح تقدم إلى الآب، بموت نفسه، لكي يقدم هذا الموت إزاء كل موت آخر لكل إنسان؛ فإذا قُبل هذا الموت ، أو قُبلت هذه الذبيحة الكفارية؛ يكون هنا الفداء قد أُكمل.

 الفعل الثالث هو المصالحة، هو تالي ومتصل اتصالاً وثيقاً بالفعلين السابقين أي الكفارة التي قُدمت وقُبلت؛ وبذلك تم الفداء، ومن ثم صارت المصالحة. فالمصالحة هنا هي استجابة الآب. «وكان الله مُصالحِاً العالم لنفسه بالمسيح».

ثلاث أفعال سرية، نقلتنا 3 نقلات مهمة للغاية، كان نتيجتها إننا كُفِّر عنا، واُفتدينا، ثم صُولحنا مع الآب بدم كريم، دم يسوع الذي بروح أزلي قدَّم نفسه للآب ليطهِّر ضمائرنا من أعمال ميتة.

هذا هو وجه الصليب الأول، المواجه للآب.

ثانياً: وجه الصليب المواجه للشيطان

 الشيطان هو المشتكي علينا وعلى إخوتنا ليلاً ونهاراً، هو لا يطيق نجاحنا، هو دائما يحسدنا، ثم هو يعرف ماضينا وما اقترفناه في حياتنا، لذلك هو يُذكِّر الله بها، تماماً كما رأيناه في شكواه على أيوب، لذلك هو يضع أمام الله كل مُسوغاته في الأفعال التي يمسكها علينا، ويُدعِّم شكاياته علينا ليثبت له عدم استحقاقنا. أما الله، فمن جهته، فهو يرى أمامه دم ابنه كل حين، فعلى الفور، وفي الحال، تسقط كل شكاوي الشيطان. كما يقول القديس يوحنا: «دم يسوع المسيح ابنه يُطهرِّنا من كل خطية». فكل شكوى تُقدم وتُقام ضد أولاد الله مرفوضة. ويبلور بولس الرسول هذا المفهوم ويقول: «مَنْ سيشتكي على مختاري الله؟» . فإذا كان المسيح هو الذي له وحده حق الدينونة علينا فنحن بكل تأكيد نصير مُبرَّأين وتسقط كل القضايا المرفوعة ضدنا.

كذلك الشيطان يمكن أن يشكونا ضد أنفسنا، يُزيِّف ضمائرنا. نعم قد يجعلك تقرع صدرك، ويقول أنت خاطئ وشرير، ولكن إلى هنا ليست هناك مشكلة، ولكنه بعد ذلك يوقعك في اليأس، ويوهمك أنه ليس هناك رجاء. ويجب أن تُفرِّق بين صوت روح الله المتكلم في الضمير وصوت الشيطان الكاذب في الضمير. صوت الله يعطي تبكيت، ولكن لخلاص ورجاء بلا ندامة، في حين أن صوت الشيطان هو للتأنيب وينتهي باليأس.

وخدعة أخرى للشيطان يحارب بها أولاد الله، هو أنه قد يقنعهم بزيادة الجهاد، بزيادة النسك، بزيادة الميطانيات، بزيادة السهر… والشخص يسير في هذا الطريق، للأسف، بلا مشورة، فيجد نفسه في محلك سر، مازال واقعاً تحت نفس الضعفات الأولى، ولا يتقدم قيد أُنملة في الطريق الروحي. في الحقيقة إنه لا عيب في الجهاد بحد ذاته، فلابد من النسك، لابد من قمع الجسد، لابد من الميطانيات، لكن هذه وحدها فقط لا تكفي، ولا تغني عن دم المسيح. فالسبب الرئيسي لغلبة الشيطان علينا هنا هو أننا نجاهد ببرنا الشخصي، نجاهد بقوتنا الرخيصة، نجاهد لحساب الذات.

أما الرد الوحيد على كل مهاجمة واتهام للعدو لنا هو: 

دم المسيح. دم المسيح هو فِعل لانهائي، فلا خطيتي ولا خطايا البشرية كلها تقدر أن تُنهيه أو تستهلكه أو تستنفذه. ليست خطية ولا ألف خطية تقدر أن تدينني أو تُعيرني أو يكون لها شكاية عليَّ أمام الله. أنا أمام المسيح مُبرَّرأٌ، مُكفرٌ عني، مغفور الخطايا. كل اتهام يرفعه الشيطان ضدي مرفوض شكلاً وموضوعاً، مُقدم أمامه حق الفيتو. فحتى ولو كان المشتكي يشتكي علينا ليلاً ونهاراً؛ فالمسيح بدمه يشفع فينا أيضاً ليلاً ونهاراً. فشفاعته ضد شكايته. وأنا تماماً خارج الموضوع. المسيح محا الصك المكتوب علينا، رفعه من الوسط، كل الوثائق الممسوكة علينا مزقها في صليبه، كما نقول: «مزَّق كتاب يد خطايانا، أيها المسيح إلهنا». المسيح، بدمه المسفوك على الصليب، ظفر بالشيطان، فضحه، جرَّده من كل أسلحته، أخضعه تحت رجليه. فهل بعد هذا يقدر الشيطان المُهلك أن يدخل البيت طالما الدم مرشوش عليه؟ هل تجوز أي شكاية أو عرائض اتهام علينا طالما نحن في حمى الدم؟ مستحيل بالتأكيد.

نعم، عليك أن تيأس من نفسك، ولا أقول تيأس من خطاياك، فكل خطاياك مغفورة، بل عليك أن تَكْفَر بقدراتك ومحاولاتك النابعة من أصل المرارة داخلك، لا تتكل على أعمال صلاحك، فكل هذا لن يجديك، هو فقط دم المسيح.

الوجه الثالث للصليب: أمام كل واحد فينا

 هنا الإنسان يكتشف أن المسألة ليست مجرد خطية تُرتكب، ولا فعل خاطئ يُفعل، ولا سلوك معيب يُدان عليه، لا، الأمر أعمق من هذا بكثير، فداخلي ينبوع فاسد، ميل مستمر للخطية حتى بدون فعل. هذا هو الإنسان العتيق. والحق إن هذا المصدر هو أعمق بكثير من الأعمال والسلوك والخطايا، ذلك لأني كلما أُخطئ، أعترف وأتوب، والدم يُطهرني؛ ولكننا هنا نتكلم عن المصدر، المنبع الذي تنبع منه هذه الأفعال الرديئة، والطبيعة الميَّالة للخطية. نحن خطاة ليس لأننا نعمل الخطية؛ ولكننا أولاد آدم. عندما أخطأ آدم في الفردوس، نحن كنا معه في صُلبه، فورثنا منه طبيعته الخاطئة. فآدم كان هو العِلة، ورثنا منه كل ما هو رديء وكل ما هو لا يُرضي الله. إذن ما هو الحل؟ كيف أُغيِّر طبيعتي، ربما قليلاً نقدر أن نُغير بعض أفعالنا وبعض سلوكياتنا، ولكن المطلوب تغيير مصدر هذه الطبيعة. الحل لابد أن يموت آدم. ونحن جميعاً أولاد آدم.

ففي اليوم المعين، وفي الساعة المُعيَّنة العظيمة، الساعة التاسعة من يوم الجمعة العظيمة، نفَّذ الله تدبيره في المسيح، ومات المسيح، ومات آدم معه، وتخلصنا من طبيعة آدم إلى الأبد. وهذا هو وجه الصليب الثالث. هذا هو العمل العظيم الذي عمله الله في المسيح لكل واحد فينا.

كان من العسير أن الآب يتعامل مع كل واحد فينا ليُميته، فأرسل ابنه في شبه جسد الخطية ليدين الخطية، يدين المصدر، أي الينبوع المُلوث الذي تصدر منه سائر الخطايا.

مات المسيح بالجسد على الصليب فدينت الخطية إلى الأبد. ومات آدم الذي فينا وأُعطينا فرصة من اليوم وإلى الأبد، من يوم الصليب، الجمعة العظيمة وإلى نهاية الدهور أن ننال هذه القوة فينا بإيمان بدم المسيح، قوة الموت عن آدميتنا، لنحيا بالمسيح.


شارك برايك