من عظة عيد البشارة ــ للأنبا بولس البوشي أسقف مصر في القرن الثالث عشر الميلادي


قال: «لما كان الشهر السادس»،أعني من حَبَل أليصابات. قال: «أُرسل جبرائيل الملاك من عند الله». يا لهذه الكرامة التي أُعطيها هذا الملاك من دون كافة الروحانيين، لأنه اؤتمن على سرِّ التدبير، وسلك أمام الرب في البشارة المُحقَّة، لأن تفسير اسم جبرائيل في اللغة العبرانية: ”رجل الله“، وهو سرٌّ (أي رمز) على التجسُّد بأن الإله متحد بالإنسان بالتجسُّد العجيب. قال: «إلى مدينة في الجليل تُدعَى ناصرة»، وهذا ليتم ما قيل في الأنبياء، «إنه يُدعى ناصرياً».

قال: «إلى عذراء خطيبة لرجل اسمه يوسف من بيت داود»، ذَكَرَ أنها خُطبت ليوسف، لكي ما يُخفي الرب تدبير التجسُّد عن الشيطان، لأن النبوَّة تذكر بأن: «العذراء تحبل وتلد ابناً ويُدعى اسمه عمانوئيل» (إش 7: 14)، ولهذا كانت البشارة بعد خروج السيدة من الهيكل إلى بيت يوسف ليُخفي سر الحَبَل في ذلك. وقوله: «من بيت داود»، ليُعلن أن قبيلة داود كانت محفوظة لم تختلط بالقبائل الأخرى لأجل التجسُّد، ثم بعد ذلك اختلطت بعد صعود الرب، بما يناهز أربعين سنة في مملكة فاسباسيانوس لما خرَّب البيت المقدس وقتل اليهود، وبدَّد الفضلة في آفاق الأرض.

قال: «واسم العذراء مريم»، أراد تحقيق الأمر فيها جيداً، أنها من بيت داود، بما يأتي بيانه. قال «ولما دخل عليها الملاك قال لها: افرحي يا ممتلئة نعمة، الربُّ معك». أعطاها الملاك سلاماً من الله مملوءاً فرحاً ليُزيل حزن حواء. وكما أن تلك لما أكلت من عود المعصية لطاعتها لإبليس، مَلَكَ عليها الشيطان واستولى على جنسها؛ كذلك هذه لما أطاعت البُشرى قائلة: «ليكن لي كقولك»، حلَّ فيها الإله الكلمة وملأها من كل نعمة وفرح، وصار ذلك إلى جنسنا، وأنعم علينا بالخلاص مجاناً، وصار معنا على الأرض.

قال: «لما سمعته اضطربت من كلامه، وفكَّرت قائلة ما هذا السلام»، أعني لم يكن لها مخاطبة أحد، لأنها تربت في الهيكل في ستر وسكون، عابدة لله ليلاً ونهاراً. ثم إن الإنجيل أظهر فضلها وكونها لما اضطربت من صوت الملاك لم تَدَع عنها التحفُّظ الذي ألفته والسكون الذي تربت فيه. ولم تصرخ ولم ترفع كلامها بالجملة. بل فكرت في نفسها لا غير قائلة: ما هذا السلام الغريب اليوم. فخاطبها الملاك بهدوء لائق بها قائلاً: «لا تخافي يا مريم». لأن هكذا جرت عادة المنظر الذي من الله وملائكته الأطهار، إذا ظهر يُزيل الخوف، ويعطي هدوءاً وسكوناً. فأما الذي لإبليس فإنه يزيد خوفاً على خوف، وقلقاً على قلق، وبهذا عرف القديسون المنظر الذي من الله وملائكته، من المنظر الذي من الشيطان وجنوده.

فلما سكَّن الملاك خوفها، بدأ يُبشِّرها قائلاً: «لأنك ظفرتي بنعمة من عند الله»، أعني أن (الله) اختارها للتجسُّد الكريم من دون كافة البشر، لتكون محلاًّ للإله الكلمة، ومنها يظهر الخلاص. فأيُّ نعمة تكون أشرف، وأيُّ موهبة تكون أفضل من هذه الكرامة. طوباك أيتها السماء الجديدة التي على الأرض يا مرتمريم، لأنك استحقيتِ أن تُدعي والدة الإله أم المسيح الرب، مُعاينة الكلمة وخادمته، ذات الشفاعات القوية.

قال: «وأنت تقبلين حَبَلاً، وتلدين ابناً»، أعني أنه منها تجسَّد بالحق من غير شبه ولا خيال، بكمال البشرية (أي بجسد كامل)، شبيهاً بنا في كل شيء خلا الخطية. وهكذا تلده ويكمل سر التدبير. قال: «ويدعون اسمه يسوع». تفسير يسوع: المخلِّص، وهكذا سُمِيَ كنحو فعله. كما قال: «إن ابن الإنسان لم يأتِ إلا ليُحيي ويُخلِّص مَن كان ضالاً» (لو 19: 10).

ثم بدأ يُخبرها بإعلان قائلاً: «هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعَى»، أعني وإن كان يولد بالجسد، فهو ابن العلي لم يَزَل. لأنه إله متأنِّس ابن العلي سرمداً، مولود أزلياً، كائنٌ بلا ابتداء، ويكون بلا انتهاء. وقوله: «يُدعى»، أعني بالتجسُّد عُرف سرُّ ابن الله.

نقلاً عن المخطوطة م 18 (ورقة 3 وجه إلى 17 ظهر) –

 مكتبة دير القديس أنبا مقار ببرية شيهيت.

شارك برايك